الشيخ محمد جميل حمود
438
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
وشتمه ، فلاطفه الإمام وعطف عليه ، حتى أشعره بسوء فعلته . وقد قرأت آنفا في دعاء سيد الساجدين من الأدب الرفيع في العفو عن المعتدين وطلب المغفرة لهم . وهو غاية ما يبلغه السمو النفسي والإنسانية الكاملة ، وإن كان الاعتداء على الظالم بمثل ما اعتدى جائزا في الشريعة وكذا الدعاء عليه جائز مباح ، ولكن الجواز شيء ، والعفو الذي هو من مكارم الأخلاق شيء آخر ، بل عند الأئمة أنّ المبالغة في الدعاء على الظالم قد تعدّ ظلما ، قال الصادق عليه السّلام : « إن العبد ليكون مظلوما فما يزال يدعو حتى يكون ظالما » « 1 » أي حتى يكون ظالما في دعائه على الظالم بسبب كثرة تكراره . يا سبحان اللّه ! أيكون الدعاء على الظالم إذا تجاوز الحدّ ظلما ؟ إذا ما حال من يبتدئ بالظلم والجور ، ويعتدي على الناس ، أو ينهش أعراضهم ، أو ينهب أموالهم أو يشي عليهم عند الظالمين ، أو يخدعهم فيورطهم في المهلكات أو ينبزهم ويؤذيهم ، أو يتجسس عليهم ؟ ما حال أمثال هؤلاء في فقه آل البيت عليهم السّلام ؟ إنّ أمثال هؤلاء أبعد الناس عن اللّه تعالى ، وأشدّهم إثما وعقابا وأقبحهم أعمالا وأخلاقا . أقول : عرّف الجور والظلم : بأنّ الجور هو الحيف الذي يتعدّى من الشخص لغيره أو الميل عن القصد . والظلم مثل الجور إلّا أنه أعمّ فهو يتناول وضع الشيء في غير موضعه « 2 » . وقال بعضهم : إنّ الجور خلاف الاستقامة في الحكم وفي السيرة السلطانية تقول جار الحاكم في حكمه والسلطان في سيرته إذا فارق الاستقامة في ذلك ، والظلم ضرر لا يستحق ولا يعقب عوضا سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما ألا ترى أن خيانة الدانق والدرهم تسمى ظلما ولا تسمى جورا فإن أخذ ذلك على وجه القهر أو الميل سمي جورا ، وأصل الظلم نقصان الحق ، والجور
--> ( 1 ) البحار : ج 90 ص 325 . ووجه صيرورته ظالما بأمرين : 1 - أنه يدعو فلا يستجاب له فيقنط فيصير ظالما بعد ما كان مظلوما . 2 - أن يدعو حتى يتعدّى مظلوميته . ( من الشارح ) . ( 2 ) لسان العرب : ج 12 ص 372 .